يقضي الصحافيون والصحافيات أعمارهم/ن في سرد قصص الآخرين؛ كونهم/ن أول من يطأ الميدان، لمتابعة الأحداث وتوثيقها، واضعين أرواحهم/ن على كفوفهم/ن في سبيل أن يخلّدوا لنا تاريخاً حياً في الذاكرة. وفي قلب مناطق النزاعات والأنظمة القمعية، تتجلى المخاطر بأقصى صورها وأشدها. ومع ذلك، نادراً ما تُتاح لنا الفرصة لسماع قصصهم/ن الشخصية وتجارب عايشوها بأنفسهم/ن، أو الوقوف على حجم التهديدات التي تترصدهم/ن؛ إذ يتصدون للعنف ببسالة، وهمّهم/ن الوحيد أن يرووا لنا الوقائع من دون تحريف.
في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، تتعرض الصحافيات لعنف قائم على النوع الاجتماعي، تُسهّله التكنولوجيا (technology-facilitated violence against women أو اختصاراً TFVAW)، وفي الوقت نفسه، يشكّلن جداراً منيعاً في وجهه. أما اللاتي يغطين الأحداث في مناطق النزاع، أو يعملن في بيئات هشة تعصف بها تقلبات مستمرة، فتزداد عليهن المخاطر والضغوط أضعافاً مضاعفة.
ينطق هذا الكتاب بأصوات الصحافيات اللاتي يروين قصصهنّ الخاصة، جامعاً شهادات حية من بيئات قمعية، ومن مناطق غير مستقرة، تشهد نزاعات كثيرة، حيث تواجه الصحفيات تحديات كبيرة داخل منظومة المعلومات الرقمية المعقدة، في سعي دؤوب إلى كشف القصص المغيّبة وحملها إلى دائرة الضوء. هذه الشهادات، التي تنسج خيوطاً من المقاومة والمساءلة، ليست تقارير صحافية باردة أو مفصولة عن التجربة، بل هي روايات متجسّدة، نابضة بالحياة، ترويها عيون النساء وأصواتهنّ، نساء يُدركن، كما يدرك الجسد الألم الذي عاشه، ملامح العنف المرتبط بالتكنولوجيا. ومن عمق هذه السرديات، يتبدى العالم الرقمي ليس كفضاء تواصل محايد، بل كساحة متقلّبة مشبعة بالمراقبة والانكشاف والسيطرة، وميدان تتقاطع فيه سلطة الدولة مع القيم الاجتماعية والثقافية.

