19 ديسمبر 2024
لم تتوقع نيّرة صلاح الزغبي -عُرفت لاحقا بـ "فتاة العريش"، التي لم تكمل عامها الثامن عشر- أن تدفع حياتها ثمنًا لـ "غدر الأصدقاء"، وفضّلت الانتحار على العيش مُهدَّدة.
أثارت واقعة انتحار نيّرة الرأي العام، في القضية رقم 675 لسنة 2024 جنايات أول العريش، بعد تهديدها وابتزازها من زميليها "شروق" و"طه" في جامعة العريش بمحافظة شمال سيناء (شمال شرقي البلاد)؛ ما دفعها للانتحار بحسب مرافعة النيابة العامة.
ولم تكن نيرة هى القاصرة الوحيدة التي تعرضت لابتزاز إلكتروني، فهناك العديد من الحالات التي مرت بالتجربة نفسها؛ مثل بسنت خالد (17 عامًا)، وهايدي شحتة (14 عاماً)، اللتين انتحرتا في كانون الأول/ديسمبر 2021، وكانون الثاني/يناير 2022، بعد تعرضهما للواقعة ذاتها.
وبحسب محمد اليماني، مؤسس مبادرة "قاوم" لمحاربة الابتزاز في مصر، فإن القاصرات يُمثّلن -في الفترة الأخيرة- عدداً كبيراً من الضحايا، وهناك ما لا يقل عن خمس حالات لقاصرات شهرياً يتمّ التعامل معها من خلال المبادرة، وترتفع هذه الحالات عادة في شهر رمضان، الذي يطلق عليه "سيزون (موسم) الابتزاز".
يوضح اليماني أنه بحكم القانون يجب وجود "الولي" لتقديم محضر فى حالة القاصرة؛ لهذا تحاول المبادرة إيجاد حلول ودية بالسُبل المختلفة كافة (لم يكشف عن تفاصيلها) لعدم توجيه المبتزين بطرق معينة، وإجبارهم على توقيع إقرار مكتوب ومصور بعدم التعرض مرة أخرى للضحية.
ووفقًا لدراسة أجرتها مبادرة "speak up" (مبادرة نسوية لدعم ضحايا العنف بكل أشكاله) عام 2024، فإن ثلاثة آلاف و176 حالة تعرضت للابتزاز، تبيّن أن 90 في المئة منها نساء، ولم تُقدّم منهن بلاغات رسمية سوى 10 في المئة فقط؛ بسبب عدم معرفة إمكانية الإبلاغ تارة، أو الخوف من الأهل وتبعات الإبلاغ عن المبتز تارة أخرى. وتوصلت الدراسة أيضاً إلى أن 10.3 في المئة من القاصرات، من مواليد ما بين عامي 2006 و2010، تعرضن للابتزاز.
عبر تطبيق "فيسبوك"، وقعت سهيلة محمود (اسم مستعار، 17 عاماً) فريسة للابتزاز الإلكتروني عام 2023، حين كانت تعاني غياب الاهتمام بسبب مشكلات أسرية، وبمجرد أن وجدته من أحدهم ائتمنته على أسرارها، من دون أن تعلم أن ذلك سيكون سلاحاً لتهديدها. وخلال مدة ارتباطهما -التي استمرت ثلاثة أشهر- أظهر لها كل الدعم والاهتمام؛ فتحدثت عن عائلتها وتفاصيل حياتها ونقاط ضعفها وخوفها من والدها، ما جعلها عرضة للاستغلال والتهديد.
تقول سهيلة إنها فوجئت بشريكها العاطفي يطلب منها صوراً خاصة، ويهدّد بكشف علاقتهما أمام عائلتها، بجانب إفشاء أسرار أسرتها، إذا رفضت إرسال الصور. لم تجرؤ سهيلة حينها على إخبار أسرتها؛ لخوفها الشديد من ردة فعل والدها، فطلبت من خالها (لفارق السن الضئيل بينهما) المساعدة، وبعد حديثه مع المُبتز ساءت الأمور أكثر؛ وتمادى في تهديداته.
"فكّرتُ في قتل نفسي"، تقول سهيلة غارقة في دموعها خلال حديثها لمُعدّة التقرير عن شعورها باليأس نتيجة تهديدات المبتز التي لم تتوقف. أبلغت صديقاتها بما آلت إليه الأمور، فاقترحت إحداهن تحرير محضر رسمي، لكنّ الخوف من ضرورة حضور الأهل، دفعهن للجوء إلى صديق اقترح "تهكير" هاتف المُبتز، وبالفعل تمّت العملية بنجاح، وقام بحذف جميع المحادثات بينهما، مُنهياً أزمة تهديدها.
وبالرغم من انتهاء علاقتها بالمبتز، إلا أن آثار هذه التجربة النفسية لم تنتهِ بعد، حتى بعد مرور سبعة أشهر. تقول سهيلة إنها تعلمت كثيراً من التجربة رغم قساوتها؛ لكنّها ما زالت تلوم نفسها باستمرار.
في منزلها البسيط بقرية "ميت طريف"، التابعة لمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية، قابلتنا والدة نيرة صلاح (فتاة العريش)، وما زالت ترتدي ثوب الحداد منذ أن فقدت ابنتها في 24 شباط/فبراير 2024. لم تكن الأم على علم بما تعرضت له ابنتها قبل رحيلها، ولكن بعد الوفاة بأسبوع توالت الأخبار والمعلومات من صديقاتها، واطّلعت الأم على بعض رسائل التهديد في هاتف نيّرة.
و بدموع الحسرة والندم، روَت الأم تفاصيل الواقعة، فرغم الصداقة القوية بابنتها إلا أنها لم تخبرها بما تتعرض له من تهديد وابتزاز، واعتقدت أن السبب وراء إخفاء المشكلة خوف نيّرة من ردة فعلها، ومنعها من الذهاب للجامعة مرة أخرى؛ بدليل إخفاء نبأ عدم الحصول على تقدير مرتفع في الفصل الدراسي الأول عن أسرتها، بسبب التشديد المسبق من والدتها بأنها في حال عدم الحصول على درجات مرتفعة لن يُسمح لها بإكمال تعليمها.
ومن هذا المنطلق، يُمكن تخيل حجم الضغط الذي تعرضت له نيرة من "زملائها المبتزين" شروق وطه، والخوف من معرفة أسرتها بما يجري.
ووفقاً لتصريحات المحامي المصري أحمد الجدامي، فقد أكد أنه في حال تعرضت قاصرة للابتزاز، وتوجهت لتحرير محضر في مباحث الإنترنت، يُرفض ذلك، ويُشترط وجود "وليّ أمرها" لتحرير المحضر؛ وهو ما تخشى الضحية من تبعاته.
وأشار الجدامي إلى وجود آلية أخرى قد تكون حلاً؛ وهي "نجدة الطفل"، التابعة للمجلس القومي للطفولة والأمومة؛ لكنّ الوعي بهذا المسار منعدم.
المفارقة هنا، كما أوضح الجدامي، أن القُصّر في عمر 15 عاماً تمّ استثناؤهم، بإمكانية تحرير توكيل للمحامي ورفع دعوى "نفقة" -على سبيل المثال- ضد الأب أو الجد والجدة، ضمن قانون الأسرة. وتساءل المحامي الجدامي عن سبب تأخر القانون في تنفيذ مقترح واضح وصريح في حالة الابتزاز، يُمكّن القاصرات من تحرير محضر والاستعانة بمحامٍ من دون "ولّيها".
حالة واقعية عايشها بنفسه المحامي أحمد الجدامي، لطفلة كانت في عامها الخامس عشر، تعرضت للابتزاز من شاب في العشرينيات من عمره، جمعتهما علاقة عاطفية؛ تطور الأمر بتهديدها بصور عارية أرسلتها له برغبتها. سيطر الخوف على البنت، التي قررت في النهاية إخبار والدها بما تتعرض له من ابتزاز؛ فخطّط الأب للقبض على المبتز، وقامت ابنته بتحديد موعد معه في ميدان رمسيس بالقاهرة، وبالفعل اصطحبه إلى قسم الشرطة بمساعدة أهالي المنطقة. تعاطفت النيابة في البداية مع الضحية والأب، وتمّ توصيف القضية بهتك العرض، وأحيل الجاني للجنايات.
إلا أن والد الضحية تحول إلى "متهم"؛ إذ أقدم على ضرب الجاني عند القبض عليه، وبعد اعترافه بالواقعة، قضت المحكمة بتغريمه فقط، رأفة بالأب.
وبناء على استبيان أجرته معدّة التقرير، شاركت فيه 46 قاصرة من سبع محافظات مختلفة في مصر؛ تبين أن 30.4 في المئة من العينة تعرضن للابتزاز الإلكتروني، منهن 60 في المئة قبلن بطلبات المُبتز، و93.5 في المئة لم يعرفن الحقوق القانونية للضحايا، و82.6 في المئة لم يعرفن أن "نجدة الطفل" من الجهات المنوطة بتقديم الشكاوى.
من جانبها، أكدت انتصار السعيد، محامية بالنقض ومديرة مؤسسة "القاهرة للتنمية والقانون" أنه يتطلب من المُبلغة إذا كانت قاصرة (أقل من 18 عاماً) حضور ولي الأمر كشرط أساسي لتحرير محضر، ويتعلق الأمر بالأهلية القانونية، وفي أغلب الحالات ترفض الفتاة إبلاغ الأهل.
وتقترح السعيد ضرورة إنشاء وحدة متخصصة، وفق معايير معينة، لحماية الفتيات ضد العنف، وتتمتع بصلاحيات تمكنها من التعامل مع الضحايا، كما هو موجود في بعض الدول مثل الكويت التي لديها وحدة فعالة تستقبل الشكاوى بسرية تامة من خلال الهاتف؛ وبصرف النظر عن سن المبلغ أو المبلغة، يتمّ التعامل مع الجاني.
وهناك مشكلات عديدة في القانون الخاص بالابتزاز، بحسب المحامية السعيد، التي تشير إلى أنها عاينت بنفسها حالة -في مباحث الإنترنت- تعرضت للعنف الرقمي، فأجبرت على سرد الواقعة عدة مرات، ما يُصعب الأمر على ضحايا العنف الرقمي.
وتضيف مديرة مؤسسة "القاهرة للتنمية والقانون" أن هناك حالات عديدة لفتيات أقل من 21 عاماً، لجأن إلى المؤسسة بسبب تعرضهن للابتزاز، وتم توجيههن لـ "نجدة الطفل"؛ رغم أن هذه الحالات لا يتم التفاعل معها بشكل جيد، وفق السعيد.
بناء على ما ذُكر من عدم تفاعل خط "نجدة الطفل" مع المتصلين والمتصلات، قررت معدّة التقرير القيام بتجربة ذاتية؛ فحاولت الاتصال بالخط الساخن "لنجدة الطفل" (16000)، لمدة سبعة أيام متتالية، لكن لم يردّ عليها أحد.
عاودت معدة التقرير المحاولة مجدداً، فردّ عليها أخيراً أحد المختصين عبر الخط الساخن، وبعد عرض مشكلة ابتزاز تتعرض لها قاصرة -صديقة معدة التقرير- نصحها المختص بضرورة إبلاغ الأهل. حاولت معدة التقرير سؤاله عن حل آخر، لصعوبة إبلاغ الأهل وما قد يترتب عليه من مخاطر، إلا أنه تمسك بالحل ذاته، ما يشير إلى مشكلة حقيقية تتعلق بكفاءة مَن يتلقون اتصالات الضحايا.
ولم يردّ صبري عثمان، مدير خط نجدة الطفل، على المكالمات الهاتفية والرسائل، للتعليق على تجربة معدّة التقرير في التواصل مع خدمة الخط الساخن لنجدة الطفل.
"الخرس الأسري" هو التعبير الذي استخدمته الدكتورة عبلة البدري، أستاذة علم الاجتماع واستشارية حقوق المرأة والطفل، عند الحديث عن أهم أسباب انتشار ابتزاز القصّر. تقول البدري إن فقدان التواصل داخل الأسرة، وعدم الاستماع إلى احتياجات القاصرات ومشكلاتهن، يدفع الفتاة للبحث عن هذا القرب والتواصل خارج إطار الأسرة؛ ما يعرضها لخطر الاستغلال والابتزاز.
وترى البدري، أنه مع انتشار حالات الانتحار بسبب الابتزاز أو الخوف من إبلاغ الأهل، لا بدّ من البدء بتوعية الفتيات، عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، بضرورة الإبلاغ في حال تعرضت أيّ فتاة للابتزاز، وعدم الرضوخ لطلبات المُبتز. وللإعلام دور فعّال في التوعية، كما على الأسرة دعم الفتيات عند تعرضهن لأيّ ابتزاز، وحمايتهن حتى تنتهى الأزمة، وفق أستاذة علم الاجتماع عبلة البدري.
وهذا ما تؤكده الدكتورة ألفت علام، استشاري العلاج النفسي والإدمان، والخبيرة الدولية في النوع الاجتماعي، والعلاج الأسري والزوجي، التي تقول إن الفتاة التي تُقدم على الانتحار، تسير في مسار نفسي من الرعب والخوف من الفضيحة، ولا ترى أمامها أيّ حل. ففي حالة الابتزاز والتنمر، تشعر الضحية بيأس شديد ورفض، وتحاول إنهاء المشكلة بأيّ شكل. أما مَن تجد المساعدة وتتلقى الدعم؛ تتغير حياتها، وتكون الأزمة مفترق طرق، وتتحول حياتها بشكل إيجابي.
نشر التحقيق بالعربية في: المنصة